كيمياء تحميص القهوة : رحلة النكهة و المرارة

 


سر النكهة والمرارة في القهوة: ماذا يحدث داخل حبة القهوة أثناء التحميص؟

​يعتقد الكثيرون أن القهوة مجرد مسحوق نضعه في الماء المغلي لنحصل على الجرعة اليومية من النشاط. ولكن من الناحية العلمية، كوب القهوة الذي تشربه كل صباح هو نتاج مختبر كيميائي مصغر مرّ بمراحل حرارية دقيقة للغاية!

​من أكبر الأسئلة التي تشغل بال عشاق القهوة : لماذا تختلف القهوة الخفيفة (Light Roast) ذات الطعم الفاكهي والحمضي، عن القهوة الداكنة (Dark Roast) ذات المرارة القوية والقوام الثقيل؟

​هل السبب هو نوع حبوب القهوة فقط؟ أم أن للحرارة رأياً آخر؟ 

​بداية الرحلة: حبة القهوة قبل التحميص

​قبل أن تصل حبوب القهوة إلى المحمصة، تكون في صورتها الخام أو الخضراء. في هذه المرحلة، تكون الحبة قاسية جداً، ورائحتها تشبه رائحة الأعشاب أو القش، وتكاد تكون خالية من أي نكهة تشبه القهوة التي نعرفها.

​تحتوي هذه الحبة الخضراء على:

  • ماء ورطوبة بنسبة عالية.
  • سكريات طبيعية وأحماض عضوية.
  • بروتينات وأحماض أمينية.
  • مركبات مضادة للأكسدة وأبرزها حمض الكوروجينيك.

​عندما تدخل هذه الحبوب إلى أجهزة التحميص وتتعرض لدرجات حرارة عالية، تبدأ السحريات الكيميائية في الانطلاق!

​1. تفاعل مايلارد (Maillard Reaction): كيف تتكون رائحة القهوة الذكية؟

​عندما تصل درجة حرارة القهوة داخل المحمصة إلى حوالي 140 إلى 165 درجة مئوية، يبدأ تفاعل معروف في عالم العلوم باسم تفاعل مايلارد.

​كيف يحدث هذا التفاعل؟

​يتحد السكر الموجود في الحبة مع البروتينات بفعل الحرارة العالية. هذا التفاعل هو نفسه الذي يحدث عندما تحمص قطعة خبز فتصبح بنية اللون وتخرج منها رائحة شهية، أو عندما تطهو قطعة لحم وتتحول أطرافها إلى اللون البني.

​ماذا ينتج عن تفاعل مايلارد في القهوة؟

  1. الروائح العطرية: تتكون مئات المركبات الطيارة التي تعطي القهوة رائحتها النفاذة (نكهات المكسرات، المخبوزات، والشوكولاتة).
  2. مركبات الميلانويدين: هي المركبات المسؤولة عن إعطاء اللون البني للقهوة، كما أنها تمنح المشروب قواماً ورغوة ثقيلة (Body).

​2. لغز الحموضة والمرارة: كيمياء أحماض الكوروجينيك

​إذا شربت قهوة محمصة تحميصاً خفيفاً، ستلاحظ طعماً حامضياً يذكرك بالفواكه أو الحمضيات. أما إذا شربت قهوة داكنة، فستلاحظ اختفاء الحموضة وظهور مرارة قوية. ما السر كيميائياً؟

​السر يكمن في مركب يدعى حمض الكوروجينيك (Chlorogenic Acid).

​في التحميص الخفيف (Light Roast):

  • ​تتعرض الحبة للحرارة لفترة قصيرة وتنتهي العملية بعد السماع لـ "الفرقعة الأولى" (First Crack).
  • ​هذه الفترة القصيرة تحافظ على نسبة كبيرة من الأحماض الطبيعية دون أن تتفكك.
  • ​لذلك، يظهر الطعم حامضياً وممتلئاً بالنكهات الأصلية لمكان زراعة القهوة.

​في التحميص الداكن (Dark Roast):

  • ​تتجاوز الحبوب "الفرقعة الثانية" وتصل لدرجات حرارة عالية جداً تتعدى 225 درجة مئوية.
  • ​تؤدي هذه الحرارة العالية إلى تفكك حمض الكوروجينيك وتحوله إلى مركبات جديدة تُسمى "مركبات الفينايل إندان" (Phenylindanes).
  • ​هذه المركبات الجديدة هي المسؤولة المباشرة عن الطعم المر المحمص الذي تشعر به في القهوة الداكنة والإسبريسو القوي.
  • خلاصة النقطة: التحميص الخفيف يحافظ على أحماض الحبة كما هي، بينما الحرارة العالية في التحميص الداكن تدمر هذه الأحماض وتحولها إلى مركبات مرّة!


    ​3. أسطورة الكافيين: أي التحميصين يحتوي على نسبة أكبر؟

    ​هناك فكرة شائعة جداً بين الناس تقول: "القهوة الداكنة تحتوي على كافيين أكثر لأن طعمها أقوى وأمرّ!".

    ولكن العلوم تصحح هذه المعلومة:

    جزيء الكافيين يُعتبر صامداً ومستقراً جداً أمام الحرارة، ولا يتفكك بسهولة أثناء التحميص. إذاً، كيف يختلف الكافيين بين التحميصين؟

    ​الفرق يعود إلى الوزن والحجم وليس لتفكك الكافيين:

    • في التحميص الخفيف: تكون الحبة ثقيلة ومحتفظة بالماء ومتقاربة الحجم (كثافتها عالية).
    • في التحميص الداكن: تفقد الحبة ماءها وتتمدد، فيصبح حجمها أكبر ووزنها خفيفاً جداً.

    ماذا يعني هذا عملياً؟

    • ​إذا قست القهوة بالمعلقة (بالحجم): القهوة الخفيفة ستعطيك كافيين أكثر لأن حباتها أثقل وأكثف في المعلقة الواحدة.
    • ​إذا قست القهوة بالميزان (بالجرام): الكمية ستكون متساوية تقريباً بين التحميصين!

    ​4. ماذا عن الزيوت التي تظهر على سطح حبوب القهوة؟

    ​إذا نظرت إلى كيس قهوة داكن التحميص، ستلاحظ أن الحبوب لمعة ومغطاة ببطانة زيتية، بينما تكون حبوب التحميص الخفيف جافة تماماً من الخارج.

    ​سبب ذلك هو أن الحرارة الشديدة في التحميص الداكن تدمر الجدران الخلوية الداخلية لحبة القهوة، مما يدفع الزيوت الكيميائية الطبيعية الموجودة في عمق الحبة للترشح والخروج إلى السطح الخارجي.

    ​مقارنة سريعة بين التحميص الداكن والخفيف

    من حيث الحرارة والوقت: التحميص الخفيف ينتهي مبكراً عند درجات حرارة منخفضة، بينما يتعرض التحميص الداكن لحرارة مرتفعة جداً تزيد عن 225 درجة مئوية.

    • من حيث الطعم: يغلب على القهوة الخفيفة الطعم الفاكهي والحمضي الناعم، بينما تتميز القهوة الداكنة بالنكهات المرة والمحمصة التي تشبه الشوكولاتة الداكنة.
    • من حيث المركبات: تكون القهوة الخفيفة غنية بالأحماض الطبيعية الأصلية، بينما القهوة الداكنة غنية بالمركبات المرة والميلانويدين.
    • من حيث المظهر الخارجي: تظهر القهوة الخفيفة بحبوب جافة وخالية من اللمعان، أما القهوة الداكنة فتكون حبوبها مغطاة بزيوت كيميائية طافية على السطح.
    • من حيث القوام: يعطيك التحميص الخفيف كوباً سلس خفيف القوام، بينما يمنحك التحميص الداكن قواماً ثقيلاً وكثيفاً.
معلوماتك
بواسطة : معلوماتك
هدفنا في موقع معلوماتك نشر المحتوى العلمي العربي
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -